الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

136

نفحات القرآن

ومع أنّنا لا ننكر النواقص والإشكالات على التاريخ المتداول بين أيدينا ، ولكن رغم هذه النواقص - التي سنشير إليها فيما بعد - فهو غني بالعلم والمعرفة . 2 - جاذبية التاريخ لِمَ كان التاريخ معلماً ؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست صعبة ، وذلك لإمكانية تشبيه التاريخ بالمختبر الكبير الذي تخضع فيه قضايا حياة الإنسان المختلفة للتحليل . وعلى هذا الأساس ، فكما أنّ العلوم التحليلية حلت الكثير من مسائلها وقدّمت الكثير من البراهين الحية لإثبات الواقعيات بالاختبار ، كذلك التاريخ ذلك المختبر العظيم حيث تختبر فيه الكثير من القضايا والمسائل ، حيث يميز فيه الذهب الخالص من الذهب غير الواقعي ، وبه تزول الأوهام عن الأذهان . إذا حللت ظواهر الأجسام أو تركيباتها في مختبرات الكيمياء والفيزياء ، فانّك في مختبر التاريخ تحلل أسرار انتصار وفشل الأقوام السالفة ، وسبب سيادة وتطور أو انحطاط الحضارات ، وردود الفعل وصفات ومعنويات الأقوام والأشخاص ، وأسلوب عملهم بجاذبية وجمال فائق . وبذلك يكون التاريخ وسيلة مناسبة لدراسة عوامل السعادة وشقاء البشر . وإذا شاهدنا في القرآن الكريم تأكيداً على تاريخ الأمم السالفة ، وشاهدنا فيه من السور الدالّة على المباحث التاريخية حتى أنّ بعض السور تدور معظم آياتها أو كلّها حول تاريخ الأقوام السالفة فذلك كله ناشيء من هذه الملاحظة التي أشرنا إليها . وقد ينكر المعاندون بعض المسائل النظرية ، إلّاأنّه لا يمكنهم انكار واقعيات التاريخ القطعية ، وبالخصوص الحوادث التي أشار إليها القرآن حيث نراه يأخذ بأيدي الناس إلى ما خلّفته الأقوام الغابرة ، ويروي قصصهم على قبورهم وقمم مدنهم الخربة . إنّ التاريخ - في الحقيقة - فرع من المسائل التجريبية ، وبتعبير آخر يمكن ادغامه في مصدر « الحس والتجربة » إلّاأنّه يختلف عن الحس والتجربة اختلافاً طفيفاً فالحس والتجربة يتعلقان بالحاضر لكن التاريخ يتعلق بالماضي ، وأنّ الحس والتجربة قد يتعلقان بذات الفرد فقط بينما التاريخ يتعلق بجميع ذوات البشر . ولكن الأهميّة الفائقة لهذا الفرع من التجربة تفرض علينا دراسته كمصدر مستقل للمعرفة .